الرئيسية / أخبار العرب / نور الدين عبد الكريم يكتب: المجدد محمد شحرور !!

نور الدين عبد الكريم يكتب: المجدد محمد شحرور !!

نور الدين عبد الكريم*

يبدو أن موضة الدعوى لتجديد الفقه الإسلامي، أو الخطاب الديني، أصبحت مغرية للكثير من الناس، فلا زالت تستوقفنا الكثير منها هنا أو هناك. يطلق أصحاب هذه الدعوات نداءاتهم عبر الفضاءات الإلكترونية، ويغردون بها على صفحاتهم في الفيس بوك أو تويتر، فتنظر إليها لتتفاجأ بأنها نداءات لهدم الدين الإسلامي لا تجديده.
أتحدث عن دعوات تطالب الشباب المسلم، أو المسلمين بشكل عام، بنقض وترك فتاوى وآراء العلماء والفقهاء المختصين بعلوم الشريعة الإسلامية، الذين تتلمذوا ودرسوا هذا العلم متبعين المنهج الأكاديمي والشرعي الصحيح، وهو ما أهلهم لان يصبحوا من أهل الاختصاص. يطالبون بعدم الالتفات إلى آرائهم واجتهاداتهم، بل ضربها عرض الحائط زيادة فوق ذلك، ومن ثم أخذ الفقه الشرعي وفهم الإسلام حسب ما يقدمه من أُطلق عليهم علماء وفلاسفة ومفكرون حداثيون، يدّعون أنهم حملوا راية تجديد دين هذه الأمة، وتصحيح مفاهيمه الخاطئة التي تداولتها أجيال من المسلمين.
كلام جميل من ناحية، فلا ننكر أنه قد اختلط في بعض المسائل الفقهية الحكم الشرعي بالارث المجتمعي، وهذا ما يسميه الدكتور محمد مختار الشنقيطي بالــــ “الرأي الفقهي المتراكم، الذي اكتسب قوته من الزمان، لا من الدليل الشرعي”. وليت هذا هو التجديد الذي يقصده هؤلاء القوم. فالتجديد الذي ينادون إليه هو هدم للدين، وإنكار لأصوله وثوابته التي لا يطولها أي نوع من أنواع الخلاف.
استوقفتني تغريدة فيسبوكية تدور حول هذا الكلام، حيث انتقدت وصول عدد متابعي الداعية المعروف الدكتور محمد العريفي، إلى حوالي 20 مليون متابع. في حين أن نصيب المفكر “الحداثي” الدكتور محمد شحرور هو عشرات الآلاف من المتابعين فقط. ومن ثم تقارن هذه التغريدة بين علم الرجلين، فتوحي إلى أن العريفي رجعي تقليدي، تلقّى علمه من مدرسة ابن تيمية. في حين أن شحرور “مودرن”، عصري، حداثي، فهو خريج إيرلاندا، وفوق ذلك هو مفكر اسلامي، يحمل راية إصلاح الفقه، ويقدمه بحلة وهيئة حديثة. الحديث عن هذه المدرسة الحداثية التي ينتمي إليها الدكتور شحرور، حديث يطول، وربما نخصص لها مقالاً في مستقبل الأيام. ولكن لنقف عند فكره وطرحه، ونفهم فحوى كلامه، وهل هو فعلا مجددٌ لهذا الدين الحنيف أم يحمل راية أخرى.
الفقيه الذي لم يدرس الفقه
الصفحة الرسمية لموقع الدكتور شحرور على الانترنت، تفيدنا بأنه حصل على تعليمه الإبتدائي، والاعدادي، والثانوي، من مدينة دمشق، ومن ثم سافر إلى الاتحاد السوفيتي، ليحصل من إحدى جامعات موسكو شهادة الدبلوم في الهندسة المدنية (عام 1964). ومن ثم سافر إلى إيرلندا، وحصل على شهادة الماجستير (عام 1969)، فالدكتوراة (عام 1972) في الهندسة المدنية أيضا، ومن جامعة دبلن. ثم عمل في قطاع التعليم لعدة سنوات، وكان تخصصه هندسة ميكانيك تربة وأساسات، فباشر مهمة التدريس في هذا المجال، وحمل لقب أستاذ مساعد في جامعة دمشق. 
ثم تذكر الصفحة، أنه بدأ الاهتمام بدراسة “التنزيل الحكيم” أثناء تواجده في إيرلندا عام 1970، وجاءت خلاصة مشواره التعليمي عام 1990، حيث بدأ بتأليف ونشر كتب ضمن سلسلة أسماها “دراسات اسلامية معاصرة”. ومن العجيب أنه تم توضيح وتفصيل المنهج الأكاديمي الذي تدرج فيه الدكتور شحرور، للحصول على مؤهله العلمي في تخصص الهندسة، وتم غض النظر عن أي ذكر لأي منهج علمي وأكاديمي، أو اسماء شيوخ وعلماء تلقى عنهم، أو درس عليهم العلم الذي أهله لأن يصبح مجدداً، أو مفكرا إسلاميا، أو فقيهاً، أو مفسراً، أو محدّثاً يصدر دراسات إسلامية معاصرة.
كل ما في الأمر أنه أظهر اهتمامه بدراسة القرآن الكريم، وقد أفاده “منطقه الرياضي” على ذلك، فأصبح لزاماً علينا أن نأخذ كلامه، ونرمي بكلام فقهائنا وعلمائنا عرض الحائط، فحائط العلوم الشرعية أصبح منخفضاً، وأجاد الكثير مهارة القفز واجتيازه. 

فكر محمد شحرور
ولو أخذنا جولة سريعة في أفكار وآراء الرجل، لتأكدنا بعين اليقين أن الفكر التجديد الذي يعرضه هو فكر هدّام لا بنّاء. فمن ذلك أنه يرى أنه لا يحق لبشر أن يحرّم أمراً لم يحرمه الله تعالى في القرآن الكريم. فالحرام هو ما صرح القرآن بتحريمه، وكل ما ورد من نهي وتحريم وزجر في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ما هي إلا من باب الآداب والتقاليد والعادات، وهي تتغير بتغير البيئة والمجتمع والظروف. فحسب زعمه، لا يحق للرسول صلى الله عليه وسلم أن يصدر أمرا بالتحريم، فالأصل في الأمور الإباحة.
وبناءا على هذا الرأي، فهو لا يعتد بالسنة الموروثة عن الرسول الكريم ولا يعتبرها مصدرا من مصادر التشريع، فمصدر التشريع الوحيد عنده هو القرآن الكريم، وعلى كل من يقرأ القرآن أن يجتهد في إعمال اللغة العربية، لفهم المعاني والآيات، ويستنبط الأحكام الشرعية حسب فهمه. فالمنهج اللغوي في تحديد معاني الألفاظ، هو المنهج الوحيد الذي يجب أن نتبعه لاستنباط الأحكام الشرعية، أما ما وصلنا من آراء العلماء والفقهاء والمفسرين، وما وضعوا من قواعد وأساسات، في علم الفقه والأصول والتفسير والحديث، فما هي إلا أقوال غير ملزمة لنا، “فهم رجال، ونحن رجال”. وإلا فما فائدة التجديد إذا لم يطل القواعد وصلب الفكر؟
من عجائب هذا الرأي، أنه يستخدم منهجا موروثاً لهدم منهج موروث آخر تحت مسمى وادعاء التجديد. فهو يتنكر لأصول وقواعد الفقه الإسلامي، ويطالب بتجديدها بعد هدمها من جذورها، ويستخدم في ذلك اللغة العربية التي ورث قواعدها أيضاً، فقد وضعت قواعدها في ذات الحقبة الزمنية التي وضعت فيها قواعد الفقه الإسلامي. فما الذي دفعه إلى المطالبة بهدم العلوم الشرعية والفقهية، وعدم التجرؤ إلى هدم قواعد وأصول علم النحو والصرف؟! هل هو الهوى يا ترى، أم هي قلة الحجة والحيلة؟
عجائب وغرائب
من الصعب اختصار وتحديد عجائب وغرائب ما يدعيه الدكتور محمد شحرور في كتاباته وأدبياته، ولكن من العجائب التي اطعلت عليها، وربما أخطرها، ادعاؤه وجود فرق بين القرآن، والكتاب، والذكر، والفرقان. فهذه الألفاظ وإن وردت في آيات متعددة؛ إلا أنها لا تُطلق على ذات الشيء.
فالكتاب عنده هو ما بين دفتي المصحف، وهو موحى من الله سبحانه وتعالى بالنص والمحتوى، أما القرآن فليس إلا بعض آيات الكتاب، مثل آيات الأخبار، والمعلومات دون الأحكام والتشريعات. ويقسم آيات “الكتاب” حسب هذا الادعاء إلى إلى ثلاثة أقسام: الآيات المحكمات، وهي التي تمثل رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أطلق الكتاب عليها مصطلح أم الكتاب، وهي قابلة للاجتهاد حسب الظروف الاجتماعية، والاقتصادية، ما عدا العبادات، والأخلاق، والحدود. والآيات المتشابهات، وقد أطلق عليها الكتاب مصطلح القرآن والسبع المثاني، وهي القابلة للتأويل، وتخضع للمعرفة النسبية، وهي آيات العقيدة. وآيات لا محكمات ولا متشابهات، وقد أطلق عليها الكتاب مصطلح تفصيل الكتاب. أما الفرقان، فهي الوصايا العشر التي نزلت على موسى عليه السلام. أما الذكر فهو الصيغة اللغوية، المنطوقة والمتعبد بها، بغض النظر عن فهم محتوى الآيات القرآنية.
وتأتي خطورة هذا التقسيم في أنها تُفضي إلى التنصل من الأحكام الشرعية، المستنبطة من القرآن الكريم. فهو ينفي مثلا آيات التشريعات والأحكام من القرآن، وينسبها إلى قسم آخر غير إلزامي، ونفي هذه الآيات يؤدي إلى نفي أحكامها، فمثلا، بناءاً على هذا التقسيم، لا يصح أن تُعتبر آية الإرث من القرآن الكريم، وبالتالي ينفي علم الميراث الشرعي المعروف.
وعلى هذا الأساس، لو قلنا بعدم ثبوت حجية السنة النبوية الشريفة، ولا اجتهادات الصحابة. ثم نصّلنا الأحكام الشرعية من القرآن الكريم حسب التقسيمات المذكورة، فكيف نستنبط أحكام ديننا إذن؟ فهل هذا تجديد أم هدم؟
ولذلك ليس بالعجيب أن نقرأ للدكتور شحرور فتوى غريبة، بل مسخ، حول عورة المرأة. فالآية الكريمة تقول (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا)، فقد فسرها على أن المقصود بما ظهر منها هو ما أظهره الله تعالى خِلقة في جسد المرأة، وذلك هو الرأس، والبطن، والظهر، والصدر، والرجلين، واليدين. فهذا هو ما ظهر من جسدها، ولا حرج عليها في كشفه لغير المحارم. أما عورتها فهو ما لم يظهر منها خِلقة، وهي أربعة أجزاء: الثديين، والإبطين، والفرج، والإليتين. فهذه عورتها أمام الأجانب، أما أمام المحارم، فليست عورة !! وإنما يستحب تغطيتها من باب العيب !!.
في الختام، لا ننكر أن الدكتور المهندس محمد شحرور قد جاء بما هو جديد. هو جديد فعلاً، لكنه ليس من الإسلام في شيء.
_______________________________
*كاتب أردني وباحث في الفقه الاسلامي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *