الرئيسية / أخبار مصر / عماد أبو هاشم يكتب عن حركة " غلابة "| بين التخمين و اليقين

عماد أبو هاشم يكتب عن حركة " غلابة "| بين التخمين و اليقين

عماد أبو هاشم يكتب عن حركة  غلابة | بين التخمين و اليقين

التشكيك فى حركة ” غلابة ” التى دعت المصريين إلى الاحتشاد ضد نظام الانقلاب يوم الحادى عشر من شهر نوفمبر الجارى لا يستند إلى دليلٍ يمكن الركون إليه ، و يبقى ما ساقه المشككون محض افتراضاتٍ و أقوالٍ مرسلةٍ تقوم على الشك و التخمين لا الجزم و اليقين.

لقد ذهب المشككون إلى الادعاء بأن ثورة ” الغلابة ” مجرد حيلةٍ دبرها الانقلاب ليستبق ـ بذلك ـ الثورة التى يتوقع انفجارها بين عشيةٍ و ضحاها بسبب الزيادات الهائلة فى أسعار السلع و الخدمات و نتيجةً للأخطاء الجسيمة التى ارتكبها و التى ترقى ـ فى معظمها ـ إلى درجة الخيانة العظمى ، فيكون ـ بذلك ـ قد حدد الزمان و المكان الذى يستدرج فيهما الثوار للقضاء على ثورتهم إن احتشدوا بأعدادٍ كبيرةٍ أو لإثبات عدم قدرتهم على الثورة إن لم يحتشدوا أو احتشدوا بأعدادٍ قليلةٍ ؛ و من ثم يتمكن من عرقلة و إرجاء الثورة المُتَوَقَّعَة على نظامه إلى اليوم الذى يستعيد فيه الثوار ثقتهم بأنفسهم و قد يطول انتظار ذلك اليوم .

و استشهد هؤلاء ـ أيضًا ـ بسماح النظام لأبواقه الإعلامية المختلفة أن تنقل جانبًا مما يؤجج المشاعر تجاهه فضلًا عن التضخيم و التهويل فى استعراض الدعوات الرامية إلى الاحتشاد فى ذلك اليوم ، و هو ما يتناقض مع ما دأب عليه إعلام الانقلاب من قبل ، فقد كان من المحظور عليه بث أى شىءٍ يتطرق إلى أخطاء النظام أو سقطاته ، كما كان دائمًا ما يواجه الدعوات السابقة إلى الاحتشاد بالتقزيم و التهوين .

كما استشهدوا ـ كذلك ـ بأن الدعوة إلى ثورة ” الغلابة ” لم تنطلق عن جماعة الإخوان المسلمين أو عن أىٍّ من القوى الثورية المتحالفة أو المتوافقة معها و أن السيسى بدلًا من أن يسترضى الشعب ـ ولو مؤقتًا ـ لتمرير أحداث ذلك اليوم بادر إلى اتخاذ قرارٍ بتعويم سعر صرف الجنيه المصرىِّ بما سيُدخل الأسعار فى دائرةٍ مفرغةٍ من الزيادة المُضطرِدة ، فبدلًا من أن يُزيل الأسباب التي يهدد الكادحون بالثورة من جَرَّائها عمد إلى توكيدها و الإضافة إليها و كأنه يأمن جانبهم كما لو كانت الدعوة إلى الثورة مجرد زوبعةٍ فى فنجانٍ أطلقها هو و رجاله .

رغم وجاهة ما استشهد به المشككون فإن كل ما ساقوه من أسانيد يبقى مجرد افتراضاتٍ عقليةٍ و تكهناتٍ عاريةٍ عن الدليل لا يمكننا أن نجزم بأمرٍ يمس مستقبل البلاد استنادًا إليها ، فالأخذ بالظاهر أولى من التماهى فى تحرى البواطن التى لا يعلمها إلا الله ما لم يقم دليلٌ على عكسه ، و الظاهر يؤيد براءة ذمة حركة ” غلابة ” من جميع ما حيق بها من شبهاتٍ لم يرد عليها دليلٌ تقوم عليه ، و نحن ـ فى الأساس ـ مأمورون بالأخذ بالظاهر شرعًا و قانونًا ما لم يقم دليلٌ على عكسه ، فالأصل فى الناس هو براءة ذممهم ، و اتهامهم لا يكون إلا استثناءً من هذا الأصل و بناءً على دليلٍ لا شبهة فيه .

إن كان استدراج الخصوم إلى معركةٍ يحدد المُستدرِجون زمانها و مكانها هى إحدى الحيل القديمة التى استخدمها قادة الجيوش و الساسة لتحقيق انتصاراتهم الساحقة فإن هذا مشروطٌ بأن يكون لديهم القدرة ـ بالفعل ـ على تحقيق ما ينشدونه من انتصار و إلا كانوا كمن يحضِّر العِفريت ثم لا يستطيع أن يصرفه فينقلب على الساحر سحره ، فهل نظام الانقلاب ـ فى وقتنا الراهن ـ يمتلك القدرة على التعامل مع الحشد الثورىِّ الكامل إن لاقت الدعوة إليه صدًى لدى الجماهير ؟

ربما يبادر البعض إلى افتراض علم النظام المسبق بأن الدعوة إلى الحشد لن تلاقىَ صدًى واسعًا بحيث يتمكن من السيطرة على الموقف ، و رغم أن هذا يعود بنا إلى حيز الافتراضات التى لا تصلح أن تكون مُعطَيَاتٍ نبنى عليها أحكامنا إلا أنه ـ رغم ذلك ـ فإن هذا الطرح لم يقدم لنا الدليل على صحته ، حتى و إن سلمنا ـ جدلًا ـ بأن النظام يعلم ضعف الإمكانية على الحشد ، فما الذى يدرينا أن الحسابات التى بنى عليها هذا العلم كانت صحيحةً و أن حسابات من يدعو إلى الاحتشاد خاطئة ؟ ألا يمكن أن يكون العكس صحيحًا ؟

ماذا لو كان النظام على يقينٍ من أن الدعوة إلى الحشد ذلك اليوم ستؤتى بثمارها فعمد إلى حيلةٍ أخرى و هى التماهى مع هذه الدعوة و التسويق لها و التهويل من أمرها ليدفعنا إلى الاعتقاد بأنه هو من يطلقها للأسباب التى ركن إليها المشككون فيفرغها ـ بذلك ـ من مضمونها و يوحى بعبثيتها واصطناعها ليحمل الناس على الإحجام عنها و لاسيما القوى الثورية الفاعلة التى ستحجم ـ بالطبع ـ عن المشاركة إن تشككت فى الأمر ، و إن لم تتشكك فإنها ستحجم ـ أيضًا ـ لأنها لن ترضى بأن تلعب دورًا ثانويًّا فى ثورةٍ يقودها آخرون هذا إن لم تكن هذه القوى هى الراعى الأساسى لهذه الدعوات .

لا أحد يستطيع الجزم بانقطاع صلة جماعة الإخوان المسلمين و القوى الثورية المتحالفة أو المتوافقة معها عن الدعوة إلى ثورة ” الغلابة ” من عدمه ، و حتى إن لم تكن ذات صلةٍ بها فلا يعنى ذلك التشكيك و التهوين مِنْ أمر مَنْ أطلقها من غير بينةٍ أو دليل .

أما مبادرة السيسى إلى اتخاذ قرارٍ بتعويم سعر صرف الجنيه المصرىِّ قبيل اليوم المحدد للحشد بأيامٍ قلائل بما يترتب عليه من زيادتٍ هائلةٍ في أسعار السلع و الخدمات بدلًا من أن يسعىِّ إلى إزالة الأسباب التي تؤجج مشاعر الناس حيال نظامه ، فهذا لا يمكن أن يُتَّخذ دليلًا على أن نظامه هو من يروج لثورة ” الغلابة ” ، بل على العكس من ذلك تمامًا ، فإن هذا يؤكد أنه يسعى إلى ترسيخ فكرة أن نظامه هو صاحب الدعوة إليها في عقول المصريين لعِلةٍ في نفس يعقوب أو حفيده نيتانياهو أو إلى التظاهر بأنه لا يبالى مغبة ذلك اليوم ، أو ربما كان هذا القرار و ليد إرادة الدولة العميقة التي نعلم جميعًا أنها أقوى بكثيرٍ من نظام دولته و ذلك بهدف توريطه و تأجيج النار من حوله للتخلص سريعًا منه .

حتى في حالة فشل دعوة حركة ” غلابة ” إلى الحشد ذلك اليوم ، فإن هذا ـ أيضًا ـ لا يصلح أن يكون دليلًا للتشكيك فيها ، لأن الفشل و النجاح احتمالان قائمان في كل عمل ، فلا شيء يحتمل النجاح بنسبة مائةٍ في المائة ، و لا شىء يحتمل الفشل ـ أيضًا ـ بنسبة مائةٍ في المائة ، يكفيهم شرف المحاولة أما النجاح فمتروكٌ لقدرة الله تعالى و مشيئته .
#المستشارعمادأبوهاشم

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*