الرئيسية / أخبار العرب / عبد الحافظ الصاوي يكتب: اقتصاد تونس ورهانات صندوق النقد

عبد الحافظ الصاوي يكتب: اقتصاد تونس ورهانات صندوق النقد

*عبد الحافظ الصاوي

في يونيو/حزيران 2013 نجحت الحكومة التونسية في التوصل لاتفاق مع صندوق النقد الدولي للحصول على تسهيل ائتماني بنحو 1.6 مليار دولار، ولقي هذا الاتفاق معارضة شديدة من قبل الأحزاب السياسية المعارضة لما سيترتب عليه من تبعات اجتماعية تتمثل في رفع جزئي للدعم، وإعادة هيكلة مؤسسات القطاع العام.

ولكن ما أُعلن مؤخرًا في منتصف أبريل/نيسان الماضي من توصل خبراء الصندوق مع الحكومة التونسية لاتفاق جديد بشأن تسهيل ائتماني جديد بنحو 2.8 مليار دولار، لم يحظ بنفس زخم المعارضة من قبل الأحزاب السياسية بتونس، على الرغم من الأداء الأسوأ اقتصاديًا، وتراجع العديد من المؤشرات الاقتصادية الكلية.

فحسب الاحصاءات المنشورة من قبل المعهد الوطني للإحصاء بتونس، تبين أن معدل البطالة قفز في نهاية 2015 إلى 15.4%، وذلك بسبب حالة الانكماش الاقتصادي التي مرت بها البلاد، وبخاصة بعد التفجيرات التي شهدتها المقاصد السياحية هناك، وكذلك استمرار حالة التراجع في العلاقات التجارية لتونس مع دول الاتحاد الأوروبي.

وكذلك  تُبين النشرة الاقتصادية للبنك المركزي التونسي في فبراير/شباط 2016، أن قيمة الدينار التونسي تراجعت بنهاية 2015 بنسبة 8.4%، مقارنة بما كان عليه الوضع في عام 2014، ولا يحتاج الأمر إلى استنتاجات لما يعكسه هذا الأمر من تداعيات سلبية على مستوى معيشة المواطن في تونس.

وبالاطلاع على تقرير بعثة صندوق النقد الدولي المنشور على موقعه، حول اتفاق خبراء الصندوق مع الحكومة التونسية حول التسيير الائتماني الجديد والذي سيستمر لنحو 48 شهرًا، نجد أن هناك مجموعة من الملاحظات، التي قد تؤدي إلى تحسن شكلي في أداء المالية العامة لتونس، ولكنها لا تُخرج الاقتصاد من كبوته، وتكرس لمزيد من التبعية للخارج من جهة، ومن جهة أخرى استمرار تونس في دوامة الاعتمادات على التسهيلات الائتمانية من خلال صندوق النقد، للدخول في دوامة زيادة المديونية الخارجية.

حيث تظهر بيانات وزارة المالية التونسية تقديرات بزيادة الدين الخارجي خلال عام 2016 بنحو 7.1%، من خلال الإقدام على إصدار سندات دولية، وكذلك إصدار صكوك إسلامية.

هيكلة البنوك

يطالب تقرير صندوق النقد الدولي بإعادة هيكلة البنوك العامة الثلاثة بتونس، وهذا مطلب في ظاهره مقبول، ولكن تبقى المشكلات في التفاصيل، عن كيفية إجراء هذه الهيكلية، هل المقصود بها مجرد إزاحة الدولة عن ملكية هذه البنوك، والتنازل عن جزء منها لصالح القطاع الخاص؟

وهنا يكمن مرض أجندة صندوق النقد الدولي، بأنها لا ترى للإصلاح غير طريق واحد، وهو بيع المؤسسات العامة، بينما تبقى فرصة إصلاح هذه المؤسسات قائمة، وبخاصة في دولة مثل تونس، ما زالت تحظى بزخم ثوري، وتجربة سياسية تستهدف الرقابة والشفافية والحاسبة.

ومن صالح تونس الآن أن يحدث تنافس بين القطاعين العام والخاص، فيتم إصلاح بنوك القطاع العام بشكل حقيقي، ثم تتاح الفرصة للقطاع الخاص بالمزيد من الاستثمارات في قطاع البنوك، ليكون هناك شريان جديد لتمويل الاستثمارات الكلية، وبخاصة في القطاعات الإنتاجية.

لماذا لا يتم إصلاح البنوك العامة؟ ماليًا وإدارية وتحصيل الديون المستحقة لدى الحكومة أو القطاع الخاص، بما يحفظ حقوق تلك البنوك، وفي نفس الوقت يُفتح المجال من خلال مؤسسات تمويلية للقطاع الخاص، يمكنها التعامل مع المشروعات الصغيرة ومتناهي الصغر التي يوصي بها الصندوق لمواجهة البطالة المتزايدة، وكنوع من الحد من التوظيف بمؤسسات الدولة.

فاتورة الأجور

تمثل الأجور في موازنة 2016 بتونس 44%، حيث قدرت النفقات العامة بـ 13 مليار دينار (الدولار يعادل 1.9 دينار)، بينما قدر إجمالي النفقات العام بـ 29.2 مليار دينار، ويذكر تقرير صندوق النقد أهمية احتواء فاتورة الأجور.

وفي الوقت الذي تزيد فيه معدلات البطالة والتضخم بتونس، وكذلك تراجع معدلات النمو الاقتصادي، وأيضًا انخفاض قيمة العملة الوطنية، يصبح الحديث عن احتواء فاتورة الأجور، نوعًا من المخاطرة الاجتماعية، حيث سيكون البديل هو اتساع نطاق الاقتصاد الأسود.

فالتعامل مع فاتورة الأجور واحتوائها لتكون بمعدلات أقل مما هي عليه الآن بالموازنة التونسية، يأتي بعد إحداث حالة من الرواج الاقتصادي، وتقليل معدلات البطالة، ووجود حركة نشطة للقطاع الخاص، وانتشار المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، حتى يكون هناك بديلًا واقعًا للأيدي العاملة، وبخاصة للداخلين الجدد لسوق العمل.  

إن حالة التفاؤل التي يرصدها تقرير صندوق النقد الدولي حول معدل النمو بتونس خلال عام 2016، ليصل إلى 2.5%، لا يُرى شواهد تؤكد على تحقيقها، حيث ذكر تقرير الصندوق بأن التجارة الخارجية لتونس ترتبط بالاتحاد الأوروبي بنسبة تصل إلى 70%، وما زالت الأوضاع الاقتصادية في أوروبا هشة، ولا يمكنها إحداث تطور إيجابي يساعد على عودة حركة تجارية بين الطرفين، بمعدلات تؤدي إلى زيادة النمو الاقتصادي بتونس.

كما أن حركة السياحة في تونس لا تزال محل شك في تحقيق نهوض إيجابي، في ظل الظروف الأمنية الحالية، والتي تعكس دلالات سلبية لحركة السياحة الأوروبية التي تمثل نحو 45% من حركة السياحة الوافدة لتونس.

التعويل على استقدام الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وكذلك التوسع في حجم الدين العام (محليًا + خارجيًا) تظل أجندة لا تعتمد على الحلول الذاتية، وتغيب عنها المشاركة المجتمعية، حيث تستسهل الحكومات في الدول النامية ومنها تونس، آلية الاقتراض أو نسج أحلام حول الاستثمارات الأجنبية، وتبتعد عن اللجوء للداخل، حيث المحاسبة والرقابة، والمطالبة بإجراءات تجعل من المجتمع المحلي صانع لتجربة تنموية.

يبقى سؤال مهم هنا حول غياب الدور الخليجي في خروج تونس من أزمتها المالية والاقتصادية، حيث هروت (السعودية والإمارات والكويت) بالإعلان عن ضخ استثمارات ضخمة، لإنشاء مدينة تونسية صناعية زراعية سياحية، وذلك إبان الانتخابات الرئاسية التي أتت بالسبسي على رأس السلطة، ولم يفعل هذا الوعد حتى الآن ليكون مجرد حبر على ورق.
_______________
*
كاتب وخبير اقتصادي مصري

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *