الرئيسية / أخبار العرب / الشريعة الإسلامية والإضراب عن العمل!!

الشريعة الإسلامية والإضراب عن العمل!!

عصام تليمة*

في حكمها الصادر بشأن الإضراب عن العمل قضت المحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة  بمعاقبة الموظف المضرب عن العمل بالإحالة إلى المعاش وبررت ذلك بأن أحكام الشريعة الإسلامية استنت قاعدة “درء المفاسد تقدم على جلب المنافع”، وقاعدة “الضرر لا يزال بمثله”، وإنه إذا كان الإضراب يؤدى إلى إلحاق الضرر بالمتعاملين مع (المرفق العام) فإن الشريعة الإسلامية لا تبيح هذا المسلك لما فيه من إضرار بالمواطنين)!!

فهل الشريعة الإسلامية ضد الإضراب عن العمل كما ادعت المحكمة؟!

لقد وضع الإسلام قواعد العلاقة بين العامل أو الموظف وصاحب العمل، وعلى كل من الطرفين أن يلتزم بها، فما نص عليه العقد من حقوق وواجبات على كليهما أن يلتزم بها عملا بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) المائدة: 1، وقوله صلى الله عليه وسلم: “المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما، أو حرم حلالا”، وبمقتضى أداء العامل أو الموظف لعمله، يستحق مباشرة أجره حسب الاتفاق ، ويقول صلى الله عليه وسلم: “أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه”، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “قال الله عز وجل: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفـّه أجره”. فإذا ماطل صاحب العمل في إعطائه حقه، كان ظالما، وللعامل أن يتخذ كل وسيلة مشروعة لنيل حقه، سواء بالتقاضي، أو بالتظاهر، وأخيرا بالإضراب عن العمل.

وقد دلت على ذلك نصوص كثيرة من الشرع الحنيف، ومن ذلك: “أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو جاره، فقال: “اذهب، فاصبر” فأتاه مرتين أو ثلاثا، فقال: “اذهب فاطرح متاعك في الطريق”، فطرح متاعه في الطريق، فجعل الناس يسألونه، فيخبرهم خبره، فجعل الناس يلعنونه: فعل الله به وفعل، فجاء إليه جاره، فقال له: ارجع، لا ترى مني شيئا تكرهه”. وفي رواية أن الرجل ذهب يشكو للنبي صلى الله عليه وسلم لعن الناس له بسبب طرح جاره متاعه في الطريق، فقال صلى الله عليه وسلم له: فقد لعنك الله قبل الناس قال: يا رسول الله، فإني لا أعود”، فلم يعتبره الإسلام هنا قاطع طريق، أو عطل مرافق الدولة، ورمي الأثاث والمتاع في الطريق يقينا سيعطل المارة، لتقف وتسأل ما الأمر؟ بل كان بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال صلى الله عليه وسلم: “”ليُ الواجد يحل عرضه وعقوبته”. ومعنى (لَيْ) أي مماطلة. والواجد: أي الغني. فمعنى الحديث أن مماطلة الغني عن دفع حقوق الناس يعتبر شرعا ظلم، يحل للمظلوم عرض الظالم، أي سمعته وسيرته بفضحه قضائيا وإعلاميا بالتظاهر، والإعلام، حتى يؤدي ما عليه من حقوق. ويقول الإمام ابن القيم: (لا بأس للمظلوم أن يتحيل على مسبة الناس لظالمه، والدعاء عليه والأخذ من عرضه، وإن لم يفعل ذلك بنفسه؛ إذ لعل ذلك يردعه، ويمنعه من الإقامة على ظلمه، وهذا كما لو أخذ ماله فلبس أرث الثياب بعد أحسنها، وأظهر البكاء والنحيب والتأوه، أو آذاه في جواره فخرج من داره، وطرح متاعه على الطريق، أو أخذ دابته فطرح حمله على الطريق وجلس يبكي، ونحو ذلك، فكل هذا مما يدعو الناس إلى لعن الظالم له وسبه والدعاء عليه، وقد أرشد النبي – صلى الله عليه وسلم – المظلوم بأذى جاره له إلى نحو ذلك) انظر: إعلام الموقعين لابن القيم (4/13).

وقد مارس المصريون في تاريخهم العصيان المدني، والإضراب عن العمل، بشكل يتناسب مع زمانهم، وهو ما سماه المؤرخون: الامتناع عن التعاون مع الحاكم، فمنها ما كان بعدم استقبال الوالي الذي يقدم إليهم، أو استقباله استقبالا فاترا معبرين بذلك عن السخط وعدم التعاون، والرغبة في عزله، وكثيرا ما كان ينتهي فعلا بعزله. وقد ذكر الدكتور حسين نصار نماذج مهمة في كتابه (الثورات الشعبية في مصر الإسلامية) في باب كامل بعنوان: (الامتناع عن التعاون).

وأختم برأي لشيخ من مشايخ العسكر، لا يشكك أحد في ولائه لهم، وهو د. سعد الدين هلالي في كتاب له كتبه قبل الانقلاب، يقول فيه عن حكم الإضراب عن العمل: (فإنني أرى اختيار ما ذهب إليه الأكثرون ـ وبه أخذ القانون المصري ـ القائلون بمشروعية اتخاذ الإضرابات العمالية سبيلا للمطالبة بتحسين الأوضاع شريطة استنفاد الطرق المشروعة للتظلم، والإعلان المسبق بوقت كاف عن هذا الإضراب، لإعذار أرباب الأعمال، وتحيطهم من الضرر المحتمل، وذلك لقوة أدلتهم، ولصيرورة هذا الإضراب بضوابطه القانونية حقا إنسانيا عاما في هذا العصر) من كتاب (الجديد في الفقه السياسي المعاصر لسعد الدين هلالي ص: 65).

فليس مقبولا إذن افتراء المحكمة الإدارية العليا على الشريعة الإسلامية، وادعاؤها أنها ضد الإضراب عن العمل

______________________

* من علماء الأزهر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *